نظم اليوم (الخميس) مستشفى المسرة مؤتمر عُمان الدولي للصحة النفسية 2026، تحت رعاية سعادة الدكتور سعيد بن حارب اللمكي -وكيل وزارة الصحة للشؤون الصحية- بمشاركة نخبة من المختصين والخبراء في مجالات الطب النفسي والصحة النفسية، وطب الأطفال والمراهقين، والطب النفسي الجنائي، والصيدلة الإكلينيكية، والابتكار والبحث العلمي وذلك بفندق إنترسيتي مسقط بالخوير.
ويأتي تنظيم المؤتمر في إطار جهود مستشفى المسرة الرامية إلى تعزيز تبادل الخبرات والمعارف المتخصصة في مجال الصحة النفسية، وتسليط الضوء على أحدث الاتجاهات والممارسات العلمية، إلى جانب إتاحة مساحة للحوار المهني ومناقشة التحديات والفرص المرتبطة بتطوير خدمات الصحة النفسية.
افتُتح المؤتمر بكلمة ترحيبية ألقاها الدكتور بدر الحبسي -مدير مستشفى المسرة- رحّب فيها براعي المؤتمر والحضور والمتحدثين والمشاركين، وأوضح فيها أن المؤتمر يمثل منصة تجمع بين العلم والخبرة والحوار الإنساني، بهدف ترسيخ مفهوم الصحة النفسية كونها جزءًا أصيلًا من صحة الإنسان وجودة حياته.
وأشار الدكتور بدر في كلمته إلى أن شعار المؤتمر «الاستماع إلى التجارب الواقعية: أصوات حقيقية، تغيير حقيقي» لا يمثل مجرد عنوان للمؤتمر، وإنما يعكس منهجًا في تقديم الرعاية الصحية النفسية، مؤكدًا أهمية الاستماع إلى تجارب المستفيدين وفهم احتياجاتهم واحترامها، وإشراكهم بوصفهم شركاء حقيقيين في رحلة التعافي، انطلاقًا من أن الاستماع هو بداية الفهم، والفهم هو بداية التغيير.
كما أكد أن هذا التوجه ينسجم مع مستهدفات رؤية عُمان 2040 في بناء نظام صحي رائد وفق معايير عالمية، يقوم على الجودة وتنمية الكفاءات الوطنية وتعزيز البحث العلمي والابتكار والاستفادة من التقنية والذكاء الاصطناعي في تطوير الخدمات الصحية. وأوضح أن مستشفى المسرة يتطلع إلى أن يكون مؤسسة متميزة في الطب النفسي وفق معايير دولية بحلول عام 2040.
واستعرض الدكتور بدر جهود مستشفى المسرة في تطوير منظومة متكاملة لخدمات الصحة النفسية، وتعزيز التخصصات والبرامج العلاجية والتأهيلية، والاستثمار في تدريب الكوادر الصحية وتأهيلها، ودعم المبادرات العلمية والبحثية، إلى جانب التوسع في البرامج المجتمعية والتوعوية التي تسهم في تعزيز الوعي بالصحة النفسية والحد من الوصمة المرتبطة بالاضطرابات النفسية.
وتناول في كلمته أهمية الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة في تطوير خدمات الصحة النفسية، مشيرًا إلى إمكاناتها في مجالات التشخيص والعلاج والوقاية والوصول إلى الخدمات، مع تأكيد أن التقنية تظل أداة تعزز عمل الإنسان ولا تستبدل حضوره، وأن الإصغاء والتعاطف والثقة والعلاقة الإنسانية ستظل جوهر الرعاية في مجال الصحة النفسية.
وأكد أن طموح مستشفى المسرة لا يقتصر على مواكبة التطورات العالمية في مجال الصحة النفسية، وإنما يتمثل في الإسهام الفاعل في صناعتها من خلال كوادر وطنية مؤهلة، وبحوث رصينة، وممارسات مبنية على الدليل، وشراكات محلية ودولية، وخدمات تتمحور حول الإنسان وكرامته وجودة حياته.
وتضمن المؤتمر معرضًا متخصصًا حول الذكاء الاصطناعي والابتكار والبحوث العلمية في الصحة النفسية، أبرز أهمية توظيف التقنيات الحديثة ودعم البحث العلمي في تطوير الخدمات والممارسات في مجال الصحة النفسية.
واشتمل البرنامج العلمي على ثلاث جلسات رئيسة تناولت مجموعة متنوعة من الموضوعات المتخصصة بمشاركة عدد من الخبراء والمختصين من سلطنة عُمان والمملكة المتحدة والعراق وقطر وكندا.
ناقشت الجلسة الأولى موضوعات شملت المؤشرات الحيوية والمعايير المستقبلية لتشخيص مرض الزهايمر، ودور المعالجين الدينيين في التعامل مع المرض النفسي في العراق، ودمج الذكاء الاصطناعي في رعاية الصحة النفسية وعلاج الإدمان، إلى جانب تجربة شركة تنمية نفط عُمان في دعم الصحة النفسية والرفاهية.
أما الجلسة الثانية، فسلطت الضوء على اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه عبر مراحل الحياة، والتدخل المبكر في الذهان في الدول العربية، والتطورات الحديثة في علاج الفصام، إضافة إلى عرض حالة سريرية حول الانتحار بالوكالة.
وتناولت الجلسة الثالثة عددًا من الموضوعات المتخصصة، من بينها سلامة بخاخ الإسكيتامين الأنفي في علاج الاكتئاب المقاوم للعلاج، وتطوير الإدارة طويلة المدى لمرضى الفصام، وتقييم مخاطر العنف، بما يثري النقاش العلمي حول عدد من القضايا المعاصرة في مجال الصحة النفسية.
كما تضمن المؤتمر جلسات نقاشية أتاحت للمشاركين التفاعل مع المتحدثين وتبادل الخبرات ووجهات النظر حول الموضوعات المطروحة.
وفي إطار البرنامج المصاحب للمؤتمر، نُظِّمت ثلاث ورش عمل متخصصة، بمشاركة فئات متنوعة من العاملين في القطاعين العام والخاص وأفراد المجتمع، بما يعزز الجانب التفاعلي والتطبيقي للمؤتمر ويفتح مساحات أوسع لتبادل الخبرات والمعارف.
حملت الورشة الأولى عنوان «أبناؤنا في عصر الذكاء الاصطناعي: فرص وتحديات للصحة النفسية – حوارات ومناظرة بين الأجيال»، واستهدفت أفراد المجتمع والعاملين في القطاعين العام والخاص، بمشاركة 30 مشاركًا. وركزت الورشة على مناقشة تأثير الذكاء الاصطناعي في طريقة تفكير الأطفال والمراهقين وتعلمهم، وانعكاساته على العلاقات الاجتماعية والتواصل الرقمي، إلى جانب دور الأجهزة الذكية في تطور النطق واللغة لدى الأطفال.
كما استعرضت الورشة تجربة أحد رواد الأعمال من مختبر القرية الهندسية في توظيف البرمجة والروبوتات والذكاء الاصطناعي في بناء الثقة بالنفس وتعزيز المرونة النفسية والإبداع لدى النشء. واختُتمت بمناظرة تجمع بين جيل Z وجيل الألفية حول التساؤل: هل يعزز الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي قدرات الإنسان أم يضعف مهاراته؟ بمشاركة طلبة من جامعة السلطان قابوس وكلية عُمان للسياحة ومدرسة الصهباء، إلى جانب مختصين من مستشفى المسرة ووزارة التنمية الاجتماعية.
أما الورشة الثانية، فحملت عنوان «مهارات نفسية تُحدث فرقًا: التواصل العلاجي وتحفيز التغيير»، واستهدفت المثقفين الصحيين والاختصاصيين الاجتماعيين والنفسيين والمرشدين النفسيين في المؤسسات الصحية والتعليمية، إلى جانب ممرضي صحة المجتمع والصحة المدرسية، بمشاركة 30 مشاركًا.
وتضمنت الورشة جلسة حوارية حول التثقيف الصحي بوصفه جسرًا للتواصل بين الفريق العلاجي ومتلقي الخدمة، تلتها محاضرة حول التواصل العلاجي الفعال في الرعاية الصحية والمجتمعية. واختتمت الورشة بتدريب عملي حول المقابلة التحفيزية وأسسها ومهاراتها.
وكانت الورشة الثالثة بعنوان «القائد الذي يصنع الفرق: كيف تؤثر القيادة في الصحة النفسية والولاء والإنتاجية؟»، واستهدفت القادة ورؤساء الأقسام والوحدات، بمشاركة 50 مشاركًا. وتناولت الورشة عددًا من المحاور المرتبطة بالصحة النفسية للقيادات، من بينها صحة القائد النفسية والتوازن بين القيادة والحياة الشخصية.
كما ناقشت الورشة أثر القيادة في بناء بيئة عمل آمنة نفسيًا وتعزيز ثقافة الولاء والإنتاجية، إلى جانب محور القيادة في عالم متغير، بما يشمله من قيادة الأجيال المختلفة والتعامل مع الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.
واختتمت الورشة بجلسة حوارية جمعت عددًا من القادة من القطاعين الحكومي والخاص ورواد الأعمال، بعنوان «ما لا يُقال في القيادة: بين القرار والإنسان»، وتناولت عددًا من القضايا المرتبطة بالتجربة القيادية، من بينها أصعب القرارات التي يواجهها القائد، وسبل حماية القائد وفريقه من الاحتراق الوظيفي، والضغوط النفسية التي قد لا يراها الآخرون، إضافة إلى الإرث الذي يتمنى القائد تركه.
وعكست هذه الورش المصاحبة توجه المؤتمر نحو تقديم محتوى علمي وتطبيقي متنوع، لا يقتصر على المختصين في مجال الصحة النفسية، وإنما يمتد إلى الأسرة والمجتمع والقيادات والعاملين في مختلف القطاعات، بما يعزز التكامل والشراكة في دعم الصحة النفسية والرفاهية وبناء بيئات أكثر وعيًا وصحة.
تجدر الإشارة إلى أن مؤتمر عُمان الدولي للصحة النفسية 2026 أكد أهمية مواصلة تطوير المعرفة والممارسات المهنية في مجال الصحة النفسية، وتعزيز الشراكات العلمية والمهنية، بما يسهم في دعم جودة الخدمات المقدمة للمستفيدين والارتقاء بمستوى الرعاية النفسية في سلطنة عُمان.

